عماد الدين خليل

315

دراسة في السيرة

بِأَلْسِنَةٍ حِدادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً . يَحْسَبُونَ الْأَحْزابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بادُونَ فِي الْأَعْرابِ يَسْئَلُونَ عَنْ أَنْبائِكُمْ وَلَوْ كانُوا فِيكُمْ ما قاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا « 1 » . [ 3 ] لما فشلت محاولات المنافقين ( التخذيلية ) وخابت آمالهم في هزيمة المسلمين عبر صراعهم الطويل مع الوثنية واليهود ، وحقق الرسول صلى اللّه عليه وسلم انتصارات متتالية حاسمة على كلتا الجبهتين ، رأى المنافقون أن يبحثوا عن ( أسباب ) أخرى لإضعاف جبهة المسلمين وتفكيكها ونشر الفوضى فيها ، لكي ينفذوا من خلال ذلك إلى أهدافهم ومطامحهم ، فلجؤوا إلى أسلوب التخريب الداخلي ونشر الشائعات الهدامة ، معتمدين على تسربهم في صفوف المؤمنين واحتكاكهم المباشر بهم وقدرتهم على التخفّي والانزواء . وفي أعقاب غزوة بني المصطلق « 2 » أطلق المنافقون على يد زعيمهم ابن أبيّ وعدد من رؤوسهم سهمين فتاكين إلى قلب المجتمع الإسلامي كادا أن ينزفا الكثير من دمه ، أحدهما باتجاه الحسّ القبلي الذي لم يكن قد استؤصل بعد ، والآخر باتجاه القيم الخلقية التي تميز المجتمع المسلم عن سائر المجتمعات ، فيما عرب ب ( حديث الإفك ) . فلقد حدث - حينذاك - إن ازدحم على بئر هناك غلام من بني غفار لعمر بن الخطاب رضي اللّه عنه مع غلام جهني من يثرب ، فاقتتلا ، فصرخ الجهني : يا معشر الأنصار ، وصرخ الغفاري : يا معشر المهاجرين ! ! إلا أن أحدهما ما لبث أن عفا عن الآخر واصطلح الطرفان في أعقاب وساطة عدد من المهاجرين والأنصار « 3 » . ورأى عبد اللّه بن أبي أن ينتهز الفرصة فأظهر غضبه وقال بعصبية : « أوقد فعلوها ؟ ! قد نافرونا وكاثرونا في بلادنا ، واللّه ما أعدنا وجلابيب قريش إلا كما قال الأول ( سمّن كلبك يأكلك ) ! ! واللّه لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعزّ منها الأذل » ثم أقبل على من حضره من قومه - وفيهم زيد بن أرقم ، وكان غلاما حدثا

--> ( 1 ) سورة الأحزاب ، الآيات : 12 - 20 ، ابن هشام ص 216 ، 230 - 231 ، الطبري : تاريخ 2 / 570 ، الواقدي : 2 / 459 - 460 . ( 2 ) اختلفت الروايات في تحديد زمن هذه المعركة هل وقعت قبل الأحزاب أم بعدها ؟ ويمكن الأخذ برواية الواقدي ( 1 / 404 ) الذي يجعلها في مطلع شعبان عام 5 ه نظرا لدقته في تثبيت التواريخ . ( 3 ) ابن سعد 2 / 1 / 46 .